اليسار الثوري الفلسطيني 
الصفحة الرئيسية تكوين الجبهة الشعبية البيان التأسيسي سجل الخالدين جرافيكس دفتر الزوار للإتصال بنا


 

حوار مع الرفيق أبو علي مصطفى قبل استشهاده

  • لا بديل عن الكفاح المسلح لتحرير كامل التراب الفلسطيني
  • الاستيطان يبتلع الأرض والسلطة تعالج القضية بتطييب الخواطر

حوار: دنيا الأمل إسماعيل
أجري هذا الحوار مع الرفيق «أبو علي» مصطفى، بعد عودته إلى أرض الوطن، وقبل انتخابه أميناً عاماً للجبهة، وفي مرحلة حاسمة من التاريخ الفلسطيني، شهدت العديد من القضايا الوطنية كالموقف من الحوار الوطني، وانعقاد المجلس المركزي، وإعادة إحياء منظمة التحرير، والدولة الفلسطينية. ونظراً للنقاشات الحادة التي دارت حول هذه القضايا على مستوى الفصائل والسلطة الوطنية، ونظراً للصراحة الشديدة التي امتاز بها حديث أبي علي مصطفى، فإنّ هذا الحوار نعيد نشره في (كلمات مضيئة) بعدما تم نشره في الهدف احتراماً للتاريخ وللحقائق.
منذ شهور قليلة عاد إلى الوطن بعد رحلة امتدت لأكثر من ثلاثين عاماً جاب فيها بلاداً كثيرة، خاض خلالها معارك وكان في كل ذلك واحداً من أهم رجالات الثورة الفلسطينية وأحد أهم قادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ليتبوأ فيها منصب الرجل الثاني بعد الحكيم جورج حبش. وأخيراً عاد أبو على مصطفي إلى الوطن غير منقوص الرؤية ولا مبدل المبادئ مؤمناً إيماناً تاماً بأهمية الكفاح المسلح وجدواه حتى في هذه المرحلة الأصعب من تاريخ النضال الفلسطيني ولم يزل يصف (إسرائيل) بالعدو الصهيوني رغم تبدل الصفات والمفاهيم.
هذا حوار عن الوطن المنفي وما بينهما من جدل ورؤى وتغيرات أيضاً.. فأين يقف منها رجل الجبهة الشعبية الثاني والمرشح الأول لقيادتها بعد الحكيم جورج حبش.

أنت تعاملت مع الوطن خلال أكثر من ثلاثين عاماً من المنفي عبر التقارير والرسائل والآن ومنذ شهور قليلة عدت إلى أرض الوطن أريد أن أقف عند المسافة التي اكتشفتها بين الوطن من خلال التقارير والوطن على أرض الواقع ؟
بداية أود أن أؤكد على أنه في تجربتنا كان هناك صلة دائمة مع الوطن ولاشك أن رفاقنا كانوا دائماً حريصين على أن ينقلوا لنا الصورة بكل زواياها لكن هناك فرقا بين أن تري صورة الإنسان وبين أن تري الإنسان نفسه نحن الآن نري الأشخاص الذين كنا نسمع عنهم، ولكن من الأشياء التي لفتت انتباهي بعد العودة، أن حجم الجيل الجديد الذي لا نعرفه، أو الذي لا أعرفه أنا على الأقل، يشكّل نسبة عالية من المجتمع الفلسطيني، وهو جيل بالتأكيد له تجربته وحياته بحيث أصبح يستولد من داخله كوادر شابة، نمت وكبرت في ظل الثورة الفلسطينية المعاصرة، لكنها أيضاً لم تنتظر من يعلمها على صفحات كتابه، إنما صنعت صفحات كتابها من سطر النضال الفلسطيني، لقد شكل هذا الأمر بالنسبة لي حجما أكبر مما كنت أتوقعه.

هل لمست أن رؤية هذا الجيل تختلف عن رؤية جيلك أو تتناقض معها أم أنّ هناك تقطاعات ما؟
هذا الجيل كبر ونما وأصبحت له تجربته الخاصة، ليس من موقع التناقض مع تجربتنا، ولكن من موقع الإغناء، في مشهد الانتفاضة كان هناك إبداعات لم تبتدعها قيادة الثورة في م0ت0ف، تمثلت في وضع قوانين علاقات اجتماعية ليست مكتوبة، ولكنها قوانين ثورية شعبية في نظم العلاقات العامة، وفي التضامن الاجتماعي، وفي مسائل عديدة أخرى، نبعت من واقع التجربة نفسها وللأسف الشديد، نحن في الخارج كنا نعتقد أنّ الناس لا يمكن أن ترتقي إلى هذه المستويات من التنظيم، لكن الانتفاضة قالت كلمتها وأعطت دروسها، حتى تمكّن هذا الجيل من امتلاك تجربته المتواصلة مع تجارب جيل عايش أسساً لمرحلة الكفاح المسلح، نحن موجودون في وعي وطفولة هذا الجيل، وما لمسته حقيقة أنّ هذا الجيل يتميز عنا بامتلاك المعلومة المباشرة، أكثر مما كنا نمتلكها، نحن حيث كانت تقتصر فقط على ما يصلنا عبر الخطابات والتقارير، ناهيك عن التقدم التكنولوجي الذي استفاد منه هؤلاء الشباب من خلال الإنترنت والفضائيات التي وفرت لهم عالماً من النقاش والحوارات والرؤى المختلفة، هذه الصورة لم تكن متوفرة لنا، وهذا، كما أرى وأعتقد، إنما جاء ليستكمل روحية تجربتنا، من خلال تطويرها وإنضاجها بصورة أكبر وأعمق، بحيث تلمس القضايا في المجتمع الفلسطيني، وربما لهذا السبب لمست أنّ مستوى الثقافة الديمقراطية لدى هذا الجيل أكبر مما كانت عند الجيل السابق.

ولكن هل يكفي امتلاك المعلومة دون القدرة على استخدامها وتطويرها إلى شيء إيجابي على الأرض ...أأي أنّ هناك أشياء أخرى يحتاجها الجيل الجديد ليتحول إلى قيمة فاعلة في المجتمع.


بالتأكيد أنا لا أختلف مع ما تقولين. أنا فقط أصف الحالة حسبما فهمت من سؤالك، ولا أقرر. وهناك فرق بين الوصف والتقرير، فقط أقول ما شاهدته، كيف يعمل هذا الجيل، ومدي قدرته على أن يكون أداة أجود ممن سبق، من حيث الاستفادة من التراكم الذي صنعته الثورة الفلسطينية.

وبخلاف الجيل الجديد ما الذي استوقفك أيضاً من مشهد الوطن الجغرافي ؟
لقد قرأت عن الاستيطان كثيراً، لكني لم أكن أتصور أنه على هذه الأرض كما رأيته بعينّي، كل من يقرأ عن الاستيطان لا يستطيع أن يقدّر المشهد الحقيقي الذي هو في غاية الخطورة، ليس فقط على مصير الأرض، ولكن على مصير الشعب الفلسطيني بأسره، وهو مشهد ذو طبيعة استراتيجية في العقل الصهيوني، نحن هنا لا نتحدث عن عدد من الكرفانات موجودة فوق تله ثم تأتي الجرارات لإزالتها، أصبحنا نتحدث عن مدن استيطانية تقطع كل الأرض الفلسطينية في الضفة وغزة وغيرها وتأخذ مواقع يتضح منها أنّ من يخطط للاسيتطان وبناء المستوطنات، يسعى إن لم يكن للسيطرة المباشرة على الأرض_ فبالسيطرة النظرية على الأرض المقابلة. بمعني أنّ كل قطعة أرض مفتوحة لسيطرة النظرة الصهيونية عليها، وهذا ما رأيته في الخليل وبيت لحم ورام الله وجنين وجنوب نابلس وهى الأكثر مأساوية مما يجعلنا نزداد تأكيداً على أنّ مقاومة الاستيطان مسألة مصيرية في تقرير الوضع الفلسطيني وفي رأينا أنّه لا يمكن إزالة الاستيطان إلا ّ بزوال الاحتلال، والعكس صحيح، خاصة، وأنّ هذا الاستيطان ذو طبيعة عسكرية.

نفهم من هذا الكلام أنك تدعو إلى عودة الكفاح المسلح ضد العدو الصهيوني ؟
أنا لا أدعو إلى عودة ولكن إلى الاستمرار أنا مقتنع قناعة تامة، ودون مزايدة على أحد أنّ الصراع بيننا وبين العدو الصهيوني هو صراع مصيري تناحري ولا يمكن إزالته إلاّ ذا امتلكنا قوة وطاقة الفعل الوطني على الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقتالية، ولابد أن نفكر تفكيراً أشمل، فالاستراتيجية - كما نراها -لا تنبني على ركيزة واحدة، بل على مرتكزات سياسية برنامجية سليمة، ومرتكزات اقتصادية متينة قادرة على إدامة الصراع، ومرتكزات مجتمعية تنظيمية جيدة، وعلى مرتكزات امتلاك الحق في مقاومة الاحتلال.
من قال أنّ هناك شعبا في العالم يقع تحت الاحتلال، ويريد أنّ يعالج قضيته بتطييب الخواطر هذا لا يحدث أبداً.

إذا ما الأسس التي يمكن من خلالها وضع استراتيجية وطنية فلسطينية على المدى القريب والبعيد في ظل الو ضع الراهن بكل مأساويته ؟
أولاً: نحن نحتاج إلى مراجعة سياسية شاملة، تضمن استقراء كيفية فهم العدو، بموضوعية. وهذا يتطلب شجاعة في نقد الذات والمساءلة، وأرى أنّ هناك ستة محددات يمكن على أساسها وضع استراتيجية وطنية فلسطينية تنقلنا نقلة نوعية وهى:
المحدد الأول: ضرورة توحيد المفهوم حول طبيعة المرحلة التي يخوضها النضال الفلسطيني الآن وهل هي مرحلة تحرر وطني أم مرحلة بناء اجتماعي كامل الاستقلال والأوصاف ... نحن ما زلنا نعتبر أنفسنا في مرحلة تحرر وطني تقتضي منا امتلاك كل عناصر المجابهة0
المحدد الثاني: ضرورة أن يتوحد المفهوم حول آفاق الصراع مع العدو الصهيوني، لأنّ هناك من شوّه هذا العنوان، بحجة أننا انتقلنا من صراع إلى نزاع إلى سلام، فهل نحن في حالة نزاع أم حالة سلام أم حالة صراع مع العدو الصهيوني.
المحدد الثالث: ضرورة الربط بين النضال التحرري والنضال الاجتماعي، بمعني كيفية تأمين قاعدة اجتماعية على أسس ديمقراطية صحيحة، تمثل قاعدة فعل مادي للنضال التحرري0
المحدد الرابع: ضرورة توحيد مفهوم الربط بين المرحلي والاسترايتجي، فمثلا الحديث عن فلسطين في حدود 67 أو غيرها هل هذا كاف للتعبير عن طموح الشعب الفلسطيني؟ نحن لا نرى أنّ الدولة الفلسطينية تنتهي عند حدود 67 حتى لو أعلنت على أراضي تلك الحدود كاملة وهى حسب المفهوم الإسرائيلي مختلفة عما نفهمه فإنّ هذا لا يعني إلغاء الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني وإلاّ فعلى ماذا كنا نناضل قبل عام 67.
المحدد الخامس: ضرورة الربط بين الوطني والقومي واعتبار أنّ بعدنا القومي يشكّل ركيزة استراتيجية في الصراع مع العدو الصهيوني، ولا يجوز أن تقاس الأمور على شكوى هذا النظام أو ذاك، والتركيز على البعد الشعبي العربي الفعّال، لقد كان معنا آلاف المقاتلين العرب الذين قاتلوا معنا في مرحلة الكفاح، وقد استشهد امنهم من استشهد وأسر منهم من أسر  .

المحدد السادس: ضرورة معرفة كيفية توفير عناصر استحقاق الحق فنحن أصحاب حق لكن الحق لا يأتي راكضا نحونا إذا لم نأت به نحن. وهذا يتطلب ضرورة توفير البناء للأداة والأداء الذي يتناسب مع الخطاب السياسي.
هذه المحددات الست إذا توّحد عليها الفهم والرأي بالإمكان بناء استراتيجية وطنية فلسطينية جديدة تدفع الحالة الدولية إلى تفعيل قراراتها التي تدعم نسبياً قضايانا لمجابهة السياسة الإسرائيلية أمّا إذا رأت الحالة الدولية أنّ هناك طبخة تسوية تجري ويرون أننا سعداء بالمفاوضات، ونعيش حالة رضى سياسي، فإنّها لن تتحرك لصالحنا، ولذلك نحن نحتاج إلى سياسة جديدة نكسب من خلالها العالم إلى صفنا.

لدى ملاحظتان على هذه المحددات، الأولى: تتعلق بربط الوطني بالقومي حيث يري البعض أنّ الحالة العربية متردّية، والموقف العربي من قضيتنا تراجع كثيراً عما كان في السابق، وبالتالي وجد الفلسطينيون أنفسهم مضطرون إلى تحديد مصيرهم بأنفسهم أياً كان شكل هذا المصير. الثانية: تتعلق بالحالة الدولية، فعلي الرغم من كل القوانين التي أقرت حقوقاً للشعب الفلسطيني، لم تزل سطوة اللوبي الصهيوني على ملاعب السياسة الدولية ناجعة في تجميد استخدام هذه القوانين، وهذا خلق أزمة بالنسبة للفلسطينيين في ظل التراجع العربي، في أي اتجاه يتحركون، هل يلقون بأنفسهم في الحضن الإسرائيلي الأمريكي، ويقبلون بشروطهم، أم يكتفون بالانتظار لحين تغير الأمور، وهنا ربما يكون الوقت عاملاً سلبياً بالنسبة لهم. فما رأيك ؟
بالنسبة إلى النقطة الأولى، أدرك أنّ النظام العربي ليس نظاماً واحداً منسجماً، ففيه فريق يحبذ أن نعفيه من المسؤولية أمام جمهوره، وتبريره أننا نحن أصحاب القضية قد قبلنا بهذا الوضع، فلماذا يتحمل هو المسؤولية، وقد سمعنا كلاماً من هذا القبيل، وهو في حقيقة الأمر كان يتمنى أن يحدث ذلك ليعفى من مسؤولياته تجاه فلسطين، وهناك فريق راض عما يحدث، من منطلق أنّه هو نفسه قد دخل التسوية، ويريد للكل أن يكونوا مثله، فلماذا يعزف هو منفرداً، في حين بالإمكان وجود فرقة تعزف معه لحين التسوية، وهناك فريق ثالث غير راض عما يحدث، لكنّه لا يعبر عن عدم رضاه بفعل مضاد ويتحدث بلهجة سلبية.
لذلك فنحن لسنا أمام خريطة متجانسة في العالم العربي، والبعض اتخذ من مسألة إعفائه من المسؤولية تجاه فلسطين، وجعل منها مركباً يصل به إلى (إسرائيل) حتى وصل الأمر إلى موريتانيا، ولكن أنا لا أنظر إلى الحالة العربية من هذه الزاوية، بل أنظر لها من زاوية الشعب العربي المختلف، ولدينا مصر والأردن، وبلادنا مثال على ذلك، ومنذ فترة قرأت عن مواطن قطري رفع قضية ليخلي بناية له من إسرائيليين تم تأجيرها لهم عن طريق مكتب عقاري، ورغم الضغوطات والاغراءات التي مورست عليه، لكنه رفض وتمسك بموقفه، هذا هو الشعب العربي الذي أراهن عليه، وهناك قضية وجدانية عند الإنسان العربي، اسمها فلسطين، الإنسان العربي لم يذهب ليقاتل مع أي من حركات التحرر التي نشأت في المنطقة إلاّ مع الثورة الفلسطينية، لذلك نحن مطالبون بتفعيل الرافعة الوطنية الفلسطينية، حتى نحفّز الرافعة العربية. إننا من الناس المؤمنين إيماناً جدّياً بأنّ هذا الصراع الطويل لا يمكن أن يحسم فقط بالعامل الفلسطيني، بل لابد له من العامل العربي الشعبي التحرري النضالي.
أمّا بالنسبة للنقطة الثانية، فقد بات من المعروف أنّ كثيراً من الذين روّجوا لسياسة التسوية، انطلقوا من فكرة انهيار الاتحاد السوفيتي، لكن في علم السياسة هناك عامل موضوعي، وآخر ذاتي، وهو العامل المقرر، ليس بالإمكان إلغاء العامل الموضوعي، ولكن كيف يمكن استثماره لصالحنا، أرى أنّ العامل الموضوعي في تبادل جدلي مع العامل الذاتي، بمعني أنّ قدرتنا الذاتية تحيل ما يمكن أن يكون سلبياً إلى إيجابي إذا كان الاتحاد السوفيتي قد تغّير، فهذا لا يعني أن أتنازل عن قضايانا المبدئية، بل أظل أقاتل آخذاً بعين الاعتبار أساليب التكتيك، في الوقت الذي أعمل فيه على تقوية أداتي، وهذا الأمر ينقص عقل القيادة الفلسطينية، التي تعتبر أنّ كل شيء مربوط بالآخر، وتجاهلت دورها. بعد أوسلو تحول الرقم الفلسطيني الصعب إلى رقم سهل، لأننا لم ندرك قيمتنا، لقد سأل صحفي «بيكر» وزير الخارجية الأمريكي، عن سبب عدم الإعلان، رغم جولاته المكوكية الثمانية، عن مؤتمر دولي للسلام، فأجاب: حتى نتغلب على العقدة الفلسطينية، وهذا يعني أنّه دون فلسطين لم يكن بالإمكان الجلوس على مائدة المفاوضات. ليس صحيحاً ما كان يقال بأنّ القطار كان سيقلع دون الفلسطينيين، لو أنّ أحداً جرّب الخيار الآخر لما اقلع القطار دوننا، لأنّ الأساس أنّهم كانوا يريدون حلاً مع الفلسطينيين. حتى الأردن كان يضع أوراقه في الدرج انتظاراً لما سيفعله الفلسطينيون، نحن الذين تهاوّنا مع أنفسنا، واكتفينا بإيجاد تبريرات للانخراط في عملية التسوية في لحظة زمنية لم تكن في صالح العرب، أو الفلسطينيين ما أدى بنا إلى أن تسير أمورنا في حدود الحكم الذاتي. والآن يتحكمون بنا في الممر الآمن والطرق الالتفافية والمياه والكهرباء وفي الاقتصاد وفي كل شيء، لقد أرادوا لنا أن نكون موظفي إدارة مدنية كما قالت د0 حنان عشراوي مرة، وقد حدث، وهذه هي المصيبة.

كان بإمكان القيادة الفلسطينية أن تحصل للشعب الفلسطيني على ما هو أكثر من ذلك، كان أمامها فرصة تاريخية، خلقتها الانتفاضة، ولكن لم يتم الاستفادة منها، في حين ركضت أمريكا لاحتوائها، والاستفادة من حرب الخليج، وتعاملوا معنا كمهزومين، وقد طالبنا وقتها بعدم الذهاب إلى مؤتمر التسوية، لأننا كنا على قناعة بأنّ اختيار اللحظة السياسية يقّرر النتيجة، ونحن ظروفنا جعلتهم يتعاملون معنا كمهزومين، وبالتالي وضعوا خطابهم وشروطهم، في الوقت الذي تصرفنا نحن على أساس أننا مهزومون، ولا نملك أية إمكانات، لذلك كانت المصيبة التي حدثت، أننا نتنازل عن شيء كنا نستطيع أن نحقق، من خلاله، ما هو أكثر لشعبنا. لا أدّعي أننا كنا سنحرّر كل فلسطين، لكن على الأقل، لن نكون أمام هذا الواقع0
لقد قدّمت أمريكا في خطابها في افتتاح مؤتمر مدريد، على لسان جورج بوش، قرار 242، ليس على أساس أنّه قرار للتنفيذ، بل قرار للمفاوضات، في حين ظل لبنان مثلاً، وهو يقود سياسة شجاعة وصامدة، يرفض التفاوض على قرار 425 من منطق أنّه غير قابل للتفاوض أصلاً، وظلت «إسرائيل» أكثر من عشر سنوات، تحاول أن تجعل لبنان يقبل بالتفاوض على هذا القرار، ولكنه ظلّ مصراً على اعتباره قراراً للتنفيذ، بلا قيد أو شرط حتى أصبح الاحتلال هو نفسه الذي يطالب بالخروج من لبنان .
القيادة السياسية البارعة هي التي تستشرف، وتعرف ماذا يوجد لدى عدوها، وتعرف كيف تقدّر اللحظة السياسية المناسبة لأخذ القرار، وليست التي تبحث عن زفة لتلحق بها.

التقيت في غزة ورام الله مع وفود من الجبهة الديمقراطية وحركتي «فدا» و«فتح» وجبهة التحرير العربية وحزب الخلاص .....ما الهدف من هذه اللقاءات وهل وجدتم ثمة نقاط التقاء فيما تطرحونه من آراء ؟
أنا لم أجتمع مع حزب الخلاص، لكن رفاقي اجتمعوا معهم، في حين اجتمعت مع عدد من الرفاق في أربعة تنظيمات في رام الله، وهى الديمقراطية و«فدا» وحزب الشعب وجبهة التحرير العربية، وقد اتفق الجميع حول ضرورة أنّ يكون هناك حوار وطني شامل حول القضايا المطروحة من الجبهة الشعبية.
وقد برز من خلال هذه اللقاءات الشعور بالخطر من وضع م0ت0ف، ومن وضع المجتمع الفلسطيني، وكذلك فيما يتعلق من مؤسسات والاتحادات الشعبية ومسألة الدولة، مع ضرورة ترسيم ذلك من خلال جلسة المجلس المركزي المقبلة، ولكنّ الرفاق في الديمقراطية و«فدا» وحزب الشعب كان لهم رأي في أنّ المشاركة في مفاوضات الحل النهائي ستمنع أخطاء المفاوض الفلسطيني، في حين اتفقت جبهة التحرير العربية معنا في الرأي في أنّ المشاركة لا تعني حلاّ، بل يحتاج منا ذلك إلى سياسة جديدة، تدرس مجمل هذه التجربة، بحيث تضع سياسة تحد من استهتار «إسرائيل» وفرض مصالحها، بالتأكيد من يري أنّ مشاركته مفيدة، نحن على قناعة، أنّه لن يذهب ليفرط، لكن المسألة ليست هكذا، حتى من ذهب، ليفاوض بنواياه الحسنة، سيعطي الوقت لإسرائيل كي تكسب على الأرض، في حين نخسر نحن.
المسألة ليست مجرد براعة خطابية لتحسين وضع المفاوضات، إذا لم نخلق معطيات وطنية فلسطينية جديدة تبدأ من موضوعة المؤسسة والمجتمع، وإنهاء حالة الفساد والتسيب، وبناء مرجعية قيادية محترمة، توّحد الشعب من أجل مقاومة الاحتلال فلا أعتقد بأنّ البلاغة ستحل القضية.

وماذا عن حركة «فتح» هل التقيتم بها بعد عودتكم؟
لم تحدث اجتماعات رسمية على شاكلة ما تم في القاهرة وعمان، لكني رأيتهم بشكل ودّي وإنساني، لكننا نجري اتصالاتنا لإقامة اجتماع على المستوي نفسه، هنا في الداخل، من أجل الترتيب لحوار وطني شامل.

على ذكر الحوار الوطني الذي يجري الحديث عنه بين فترة وأخرى، رغم كل الحوارات التي تمت في الداخل والخارج، لم تسفر عن شيء حقيقي وملموس على الأرض. برأيك ما المعوقات أمام تحقيق حوار وطني شامل بالمعني الفعلي، ولماذا يصوّر الحوار على أنّه دائماً حوار الفصائل الأخرى مع حركة «فتح» ؟
نحن سعينا إلى عقد لقاءات ثنائية من البداية، حتى نضع حجر الأساس بعد القطيعة التي كانت تسود الوضع الفلسطيني الداخلي، لكن حجر الأساس هذا لا يغني عن البناء، ففي دعوتنا قلنا أننا ندعو إلى حوار وطني شامل، تشارك فيه جميع القيادات من داخل منظمة التحرير الفلسطينية أو خارجها، كان لابد من هذه الخطوة لتهيئ لنجاح الحوار الشامل، خشية من تكرار ما جري في حوار نابلس الذي بدأ بمهرجان وانتهى ببيان، والضمان الوحيد لذلك هو المؤسسة وليس الأفراد، لذلك جرى التركيز على إعادة بناء م.ت.ف بدءاً من المجلس الوطني، وإذا لم تحدث هذه الخطوة سندور في الحلقة نفسها، ونكرر ما حدث، لذلك دعونا للقاء مع الإخوة في اللجنة المركزية يهيئ لحوار وطني شامل يسبق انعقاد المجلس المركزي. هذه خطوة إن نجحنا فيها فستهيئ لإعادة بناء المؤسسة التي هي الضمان الوحيد للموضوع الفلسطيني.

هل تعتقد أن السلطة الفلسطينية ستقبل بإعادة إحياء م.ت.ف خاصة في ظل الإشكالية التي تعيشها في ظل الوضع الراهن، هل من مصلحتها إحياء هذا الجسم المنافس والمرجعية؟
نحن لا نوجه خطابنا للسلطة، نحن نوّجه خطابنا للفصائل المنضوية في إطار م.ت.ف، فإذا كانوا جادّين يستطيعون فعل ذلك، بغض النظر عن موقف السلطة، ولا تنسي أنّ جزءاً كبيراً من السلطة هم من أعضاء حركة «فتح» المنضوية في إطار م.ت.ف، وبإمكانها أن تتحمل مسؤولية المشاركة في القرار إذا كانت جادّة بالفعل.

لكن «فتح» تطرح نفسها كجزء من السلطة ؟
ليس كلها، بعضها لا يعتبر نفسه سلطة، نحن نخاطب اللجنة المركزية لحركة «فتح» لأننا نحن و«فتح» شركاء نضال لمدة تزيد عن 32 عاماً، في إطار منظمة التحرير، بغض النظر عن فترات الاختلاف والتوتر والقطيعة، أمّا السلطة فهي بالنسبة لنا مولود أوسلو، لذلك نحن نخاطب الجهة التي أسهمت في بناء م.ت.ف، ولا نخاطب السلطة ووزرائها، لأننا نعرف أنّ لهم مواقعهم ومهماتهم ضمن سقف محدد0ونقول لإخوتنا في حركة «فتح» إذا كان الأمر يتعلق بنقطة تدفع إلى الأمام فهي منظمة التحرير، لأنها تحفظ الوحدة السياسية للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، الذي تعنيه هذه المؤسسة وليس مؤسسة السلطة.

ولكن الفصائل والأحزاب التي تحاورتم معها تقع عليها شبهة التحالف مع السلطة، وبالتالي فهي تنبني مواقفها وحتى الآن لم تتخذ موقفاً حاسماً من م.ت.ف؟
في حواراتنا التي جرت معهم، اتفقوا معنا على ضرورة إعادة بناء م.ت.ف، وهذه خطوة للأمام .. نحن لا نريد أن نظل نحاسب الآخرين على ماضيهم، بل نحاسبهم على الحاضر، الأمر الذي يوّفر مناخاً إيجابياً.

ما آمالكم المتوقفة على انعقاد المجلس المركزي؟
آمالنا تنطلق مما اتفقنا عليه في بيان عمان، الذي ركز على أن ينعقد المجلس من أجل الموضوع السياسي والتنظيمي، أمّا إذا حدثت أية اختلالات فإنّ الأمر سيكون أشدّ صعوبة على الجميع.

هل من المنتظر أن تحدث تغييرات تنظيمية داخل الجبهة الشعبية ؟
نحن الآن بصدد التحضير للمؤتمر الوطني السادس، وهذا المؤتمر يعتبر محطة مهمة ومتميزة في تاريخ الجبهة الشعبية، يستمدها من مشاركة الداخل بالثقل الذي يمثله، بخلاف السابق، حيث كانت مشاركته رمزية، أو من خلال الرسائل. وسيناقش المؤتمر الوثائق والسياسات والمسائل التنظيمية، بما فيها انتخابات الهيئات المركزية، وقد حددنا الشهور القليلة القادمة لعقد المؤتمر، وبالتالي فهو الذي سيقرر شكل الهيئات القيادية للجبهة الشعبية.

أخيرا أريد أن أسألك عن موقفك من الدولة الفلسطينية، وفلسطيني 48؟
بالنسبة للدولة، فإن لدينا ورقة جاهزة، من المفترض أن توّزع جماهيريا في كراس، طرحنا فيها تخوفنا من أن تصبح مسألة الدولة حركة هزلية، مقتصرة على حدود على مناطق الحكم الذاتي، الدولة التي تم التفاوض عليها مع الإسرائيليين لا نعتبرها الدولة التي ينشدها الشعب الفلسطيني، الدولة المسقوفة بالاشتراطات الإسرائيلية، والدولة دون ممارسة السيادة الفعلية، ليست هي ما ينشدها الشعب الفلسطيني 0
- لقد قاتلنا وناضلنا، جميعا، من أجل إقامة دولة فلسطينية، وكل واحد منا كان شعاره: حق العودة وتقرير مصير في دولة مستقلة، وهذا برنامج المرحلة المتفق عليه من كل القوى، وهو برنامج م.ت.ف، ولكنّ السؤال أية دولة، إنّها الدولة التي تتمتع بالسيادة على الأرض وبالاستقلال، والتي لا تغلق الطريق على البعد الاستراتيجي للقضية الوطنية، أمّا إذا كانت الدولة حسب المعايير الإسرائيلية، فنحن لا نعتبرها الدولة التي ينشدها شعبنا الفلسطيني.
- بالنسبة لفلسطيني 48 فنحن نرى أنّ واقع الحال الفلسطيني فيه شيء كبير من الخصوصية، فهناك فلسطينيو 48 و 67 وفلسطينيو الشتات وهم يختلفون أيضاً حسب الدول التي يتواجدون فيها، وأولويات كل من هؤلاء تختلف عن أولويات الآخرين، وبالتالي وجب على القيادة أن تدرس هذه الخصوصية لتساعدها على تحديد المهام المباشرة.

مجلة الهدف العدد 1323 / 4 فلسطين تشرين أول 2001

 

أقرأ المزيد من لقاءات الرفيق الشهيد أبو علي مصطفى